محمد بن جرير الطبري

305

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

قال : ثني أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي ، وعن أبي معاوية ، عن سعيد بن جبير ، قالا : إن جاء تائبا لم يقتطع مالا ولم يسفك دما ترك ، فذلك الذي قال الله : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم يعني بذلك : أنه لم يسفك دما ولم يقتطع مالا . وقال آخرون : بل عنى بالاستثناء في ذلك التائب من حربه الله ورسوله والسعي في الأرض فسادا ، بعد لحاقه في حربه بدار الكفر فأما إذا كانت حرابته وحربه وهو مقيم في دار الاسلام وداخل في غمار الأمة ، فليست توبته واضعة عنه شيئا من حدود الله ولا من حقوق المسلمين والمعاهدين ، بل يؤخذ بذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : أخبرني إسماعيل ، عن هشام بن عروة : أنه أخبره أنهم سألوا عروة عمن تلصص في الاسلام فأصاب حدودا ثم جاء تائبا ، فقال : لا تقبل توبته ، لو قبل ذلك منهم اجترأوا عليه وكان فسادا كبيرا ، ولكن لو فر إلى العدو ثم جاء تائبا ، لم أر عليه عقوبة . وقد روي عن عروة خلاف هذا القول ، وهو ما : حدثني به علي ، قال : ثنا الوليد ، قال : أخبرني من سمع هشام بن عروة ، عن عروة قال : يقام عليه حد ما فر منه ، ولا يجوز لاحد فيه أمان يعني : الذي يصيب حدا ثم يفر فيلحق الكفار ، ثم يجئ تائبا . وقال آخرون : إن كانت حرابته وحربه في دار الاسلام ، وهو في غير منعة من فئة يلجأ إليها ، ثم جاء تائبا قبل القدرة عليه ، فإن توبته لا تضع عنه شيئا من العقوبة ولا من حقوق الناس . وإن كانت حرابته وحربه في دار الاسلام أو هو لاحق بدار الكفر ، غير أنه في كل ذلك كان يلجأ إلى فئة تمنعه ممن أراده من سلطان المسلمين ، ثم جاء تائبا قبل القدرة عليه ، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحداثه في أيام حرابته تلك ، إلا أن يكون أصاب حدا أو أمر الرفقة بما فيه عقوبة أو غرم لمسلم أو معاهد ، وهو غير ملتجئ إلى فئة تمنعه ، فإنه يؤخذ بما أصاب من ذلك وهو كذلك ، ولا يضع ذلك عنه توبته . ذكر من قال ذلك :